الشنقيطي

128

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ماجة « 1 » وقوله صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث « ولا تتخذوها قبورا » دليل على أن القبور ليست محل صلاة وقال بعض العلماء : يحتمل أن يكون معنى الحديث صلوا ولا تكونوا كالأموات في قبورهم فإنهم لا يصلون . وأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي اللّه عنه مرفوعا : « إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد » « 2 » ورواه ابن أبي حاتم أيضا . والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة لا مطعن فيها ، وهي تدل دلالة واضحة على تحريم الصلاة في المقبرة ؛ لأن كل موضع صلي فيه يطلق عليه اسم المسجد ، لأن المسجد في اللغة مكان السجود ، ويدل لذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح « وجعلت لي الأرض مسجدا » الحديث أي كل مكان منها تجوز الصلاة فيه . وظاهر النصوص المذكورة العموم سواء نبشت المقبرة واختلط ترابها بصديد الأموات أو لم تنبش ؛ لأن علة النهي ليست بنجاسة المقابر كما يقوله الشافعية ، بدليل اللعن الوارد من النبي صلى اللّه عليه وسلم على من اتخذ قبور الأنبياء مساجد . ومعلوم أن قبور الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم ليست نجسة فالعلة للنهي سد الذريعة لأنهم إذا عبدوا اللّه عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور . فالظاهر من النصوص المذكورة منع الصلاة عند المقابر مطلقا وهو مذهب الإمام أحمد وفي صحتها عنده روايتان وإن تحققت طهارتها . وذهب مالك إلى أن الصلاة فيها مكروهة . وذهب الشافعية إلى أنها إذا كانت نجسة لاختلاط أرضها بصديد الأموات لأجل النبش فالصلاة فيها باطلة ، وإن كانت لم تنبش فالصلاة فيها مكروهة عندهم . وذكر النووي عن ابن المنذر أنه قال : روينا عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة . قال : ولم يكرهها أبو هريرة وواثلة بن الأسقع والحسن البصري ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال : تصح الصلاة وإن تحقق نبشها . وذكر ابن حزم النهي عن الصلاة في المقبرة عن خمسة من الصحابة : وهم عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس . وقال : ما نعلم لهم مخالفا ، وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي ونافع بن جبير بن مطعم وطاوس وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم . وقد حكى الخطابي في معالم السنن عن عبد اللّه بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة . وحكى أيضا عن الحسن أنه صلى في المقبرة . وعن ابن جريج قال قلت لنافع : أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور قال : لقد صلينا على عائشة وأم سلمة رضي اللّه عنهما وسط البقيع والإمام يوم صلينا على عائشة أبو هريرة رضي اللّه عنه ، وحضر ذلك عبد اللّه

--> ( 1 ) أخرجه : أبو داود في الصلاة حديث 1043 ، والترمذي في الصلاة حديث 451 ، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار ، باب الحث على الصلاة في البيوت ، وابن ماجة في إقامة الصلاة حديث 1377 . ( 2 ) المسند 1 / 405 ، 435 .